شامم ريحة

د. كمال فريد إسحق

حاشا لي أن أدافع عن مجرم أخطأ في حق مصر أو في حق الشعب المصري، أو في حق أي مواطن مصري.
ولكن عندي علامات استفهام.
لقد صدر الحكم على يوسف بطرس غالي بثلاثين سنة سجن، لم يحكم على غيره من رجالات الحكم السابق بمثلها، ولم نر  أحكام مماثلة على من نهبوا المليارات.
وتم إجبار المدعو هاني عزيز على رد بعض ما سبق أن أخذه من أرض بإجراء شرعي.
ولم نر  إجبار الآخرين ممن نهبوا المليارات، على رد ما نهبوه.
وتم القبض على المدعو نخنوخ بوصفه كبير البلطجية الذي تحت أمره ربع مليون بلطجي.
ولم نر القبض على ربع المليون بلطجي من أتباعه، أو من غير أتباعه.
ولم نر أن البلطجة تم القضاء عليها بعد القبض على نخنوخ .
وقيل أنهم عثروا في سكنه الواسع على قطعة سلاح أو أكثر قليلا.
كأن مصر قد خلت من حيازة السلاح بأرقام مرعبة.
وكأنه قد  تم القضاء على مشكلة حيازة السلاح غير المرخص المتواجد في مصر، الذي نسمع أن منه مدافع ودبابات ومدرعات.
وقد استبشر البعض خيرا واعتقد انها بداية حملة يتم فيها جمع ملايين من قطع السلاح خاصة التي عند القبائل العربية في قنا وسوهاج وأسوان وغيرها؟ وفي سيناء.
وطبعا لم يحدث جمع ملايين من قطع السلاح، بعد أن بدأوا بما عند نخنوخ.
وهل عند حكومة د. مرسي الرغبة والهيبة والقدرة والقوة على هذا؟
وقيل أنهم عثروا في سكنه الواسع على قطعة حشيش أو أكثر.
كأن مصر قد خلت من حيازة وتجارة المخدرات بأرقام مرعبة.
واستبشر البعض خيرا واعتقد انها بداية حملة يتم فيها جمع أطنان المخدرات المنتشرة والمستخدمة في طول البلاد وغيرها. والتي صار تعاطيها شيئا عاديا عند كثيرين.
فهل ستصادر حكومة د. مرسي قطع السلاح والمخدرات التي في باقي فلل المنصورية والمريوطية؟ وفي قصور قنا وسوهاج، وفي طول وعرض بر مصر.
ولماذا وأنتم تنتظرون عودة نخنوخ من الخارج، لم تتسلوا باستئصال باقي البلطجية المقيمين بالبلاد، والممارسين للبلطجة، كل يوم؟ خاصة الخاطفين وفارضوا الجزية والإتاوات؟
ولماذا تركتم مجرمي مصر طليقين فيها، واكتفيتم بانتظار عودة نخنوخ من الخارج.
لا يهمني هؤلاء الثلاثة، وعقاب من أخطأ واجب، ولكن ما حدث لهم مؤشر على روح التربص التي تتقمص بعض المواطنين أو المسئولين ضد مواطنين آخرين.لا تستهدف فقط الخارجين عن القانون بل المواطن العادي.
وبكل وضوح، أخشى أن يكون تطبيق القانون هدفا على البعض والتراخي في تطبيقه هدفا على البعض الآخر.
فيكال بمكيالين: كما في المثال الإفتراضي الآتي:
قد يتأخر موظفان في الوصول إلى عملهما مثلا بسبب ظروف الطريق، فيتم محاسبة أحدهما، وإعفاء الآخر.
وقس على هذا.
ويمكن لمن شاء أن يقول ردا على هذا الكلام أن المخطئ يجب أن يحاسب . وأنا معه.
ولكن ما قولكم في الكيل بمكيالين في موضوع ازدراء الأديان.
جرح إنسان في دينه ومقدساته شيء بشع، ولكن الكيل بمكيالين هو العادي في مصر.
فيلم مسيء للرسول أو كاريكاتير يقيم الدنيا ويقعدها ، وأنا مع من ينتفض غضبا لنصرة رسوله ودينه.
ولكني أيضا أرفض أن توجه الإساءات للمسيحية وللمسيحيين في الجرائد والفضائيات والكتب والمساجد والمجتمع عموما، ولا أحد عنده إحساس، وأن ينتفض الشعب المصري فقط حين يكون العدوان على الإسلام. أليس المسيحي أيضا إنسان له شعور؟ بل والبهائي أيضا ما ذنبه إن كان قد ولد بهائيا، ولم تستطع المسيحية ولا الإسلام إقناعه بالتخلي عن دينه؟
لماذا يحرم من بعض حقوق المواطنة؟
أيضا ما قولكم فيمن لم يخطئ أصلا ولكنه يعاقب أيضا بفرض الصلح عليه في جلسات عرفية.
كم من المسيحيين تم العدوان عليهم، وأغلقت القضية بجلسة عرفية؟
كم من المسيحيين بمصر تم إرهابهم في طول مصر وعرضها: قتل سلب خطف عدوان على الكنائس والمحلات والمنازل، ولم نر حتى اليوم من حاول عقاب المعتدين؟
وهذه الإعتداءات التي تمت بحافز إسلامي متطرف كيف يتم وقفها إذا شعر مرتكبوها أن الحكومة الإسلامية لن تعترضهم ولن تتعقبهم؟ بل وربما توهموا أنها تتعاطف معهم.
لن يتغير الوضع الشائن إلا بإحضار المجرمين واحدا واحدا للمحاكمة وبتعويض المتضررين واحدا واحدا بأكثر مما خسروا، وببناء الكنائس بأمر الحكومة ورعايتها حراستها.
وبعودة المهجرين من منازلهم وقراهم ، سواء كان سبب ارتحالهم هو العنف أو الخوف. وبشعورهم بالأمان.
وهذا هو دور حكومة د. مرسي، التي هي ممثلة حزب اسمه الحرية والعدالة، أم أن المسألة مجرد أسماء؟ وحتى لا تتهم أنها متواطئة أو متعاطفة، حتى بتطبيق خاطئ لعبارة “انصر أخاك ظالما او مظلوما”، التي يجتزئها البعض وهو لا يعلم أن باقي الحكاية أنهم سألوا الرسول كيف ينصروا أخاهم ظالما، فرد بأن يردوه عن الظلم، كما أن الحكاية لا زالت ناقصة، لأنها لم تبين للمؤمنين كيف يتصرفون لو رفض الأخ الظالم أن يتوقف عن الظلم: هل يواجهونه، هل يقاتلونه ليردوه عن الظلم؟ هل يقتلونه لو وصلت المواجهة إلى القتل؟ أم يطنشون ويكتفون بأنهم حاولوا نصحه فلم ينتصح.
وبالتطبيق العملي لو هجم إرهابيون على كنيسة أو محل أو سكن أوجماعة بهدف قتل من فيها؟
هل شرطة د. مرسي ستطلق عليهم النار أم تقف مكتوفة الأيدي، وهي ترى المسيحيين يهلكون؟
وبعد وقوع المصيبة هل ستقبض على المجرمين أم تراعي شعور باقي سكان القرية من المسلمين أو شعور باقي القبيلة التي ينتمي إليها المعتدون، أو شعور باقي الشعب المسلم؟
ما هذه المهزلة التي حدثت في العامرية ودهشور، وغيرهما؟ أبناء البلد يطردون من موطنهم بواسطة قبائل جاءت إلى مصر من الشرق أو الغرب، ولا أحد يبالي ولا دولة تتحرك.
وما هذه المهزلة الجديدة التي نجد فيها سكان بعض القرى المسلمون يمنعون دخول مسيحيين من قرى أخرى إلى قريتهم؟
وما الهدف ؟ هل الهدف الإذلال، هل هو بلاغ للمسيحيين في القرية وفي باقي القرى، أنهم يجب أن يعيشوا في ذمة المسلمين بالقدر الذي يسمح لهم به مسلمو القرية، وليسوا أحرارا حرية كاملة؟ وليسوا مواطنين كاملي المواطنة؟
هل هذا فصل جديد للإنفراد بمسيحيي بعض القرى والتنكيل بهم؟
يجب الرد على هذا فورا بالتوجه إلى هذه القرى في جماعات من المسلمين والمسيحيين من كل أنحاء مصر لزيارة مسيحييها، خاصة جماعات حقوق الإنسان، والجماعات التي تنادي بسماحة الإسلام، وجماعات من المسيحيين للصلاة في كنائسها.
سؤال أخير : ماذا نتوقع كيف ستكون حياة المسيحيين في هذه القرى؟
أكيد أن مسلميها لن يتعاملوا مع المسيحيين في الشراء والبيع والخدمات، فلن يلجأوا إلى نجار أو سباك أو طبيب مسيحي إلخ. وكيف سيكسب المسيحي رزقه؟ ولو قلنا من المسيحي مثله، نكون قد قسمنا البلد.
وهذا كان ممكنا حين كان الأقباط بمصر يمثلون ثقلا عدديا في أغلب أنحاء مصر، ولكن الوضع تغير بعد أن اضطر كثيرون لترك قراهم بسبب روح العداء ، وتركوا خلفهم أعدادا ضعيفة مغلوبة على أمرهأ.
وقد ينكر أحد علي هذا الكلام، ويسألني سائل : لماذا أتصور حدوث مقاطعة للأقباط في أكل عيشهم ؟ وأرد بأنه من السذاجة تصور أن جماعة من الناس تطرد المسيحيين من البلد، أو تحرق محلاتهم وتنهب مساكنهم، ناس شعورهم هكذا، ستتعامل معهم كمواطنين عاديين في البيع والشراء والخدمات، بل الأرجح اتباعهم سياسة التجويع والمقاطعة حتى يهاجروا طواعية.
أختم بأن أقول أني لست فقط شامم ريحة وحشة، ولكني شايف وسامع وعارف.
وأتمنى أن أكون مخطئا، فأنا أكره أن يصير المصريون شعبين لا شعب واحد، تنعدم بينهما الثقة والمحبة والترابط.
والحل هو حماية المسيحيين، وردع المعتدين، ورد الحقوق للمظلومين، ، وعقاب المجرمين.
الحل هو تفعيل ما يقال بواسطة الدعاة عن سماحة الإسلام وعدالته.
لا حل لو لم يقتنع المسلمون المتطرفون أنفسهم  بسماحة الإسلام وعدالته.

د. كمال فريد إسحق   /   12 سبتمبر 2012

Leave a comment

Dr. Kamal Ishaq

Dr Kamal Farid Ishaq is a distinguished scholar with expertise in both dermatology and venereology, this individual is also a leading authority on Coptic and Egyptian cultures. As a professor emeritus of Coptic, Greek, and Egyptian languages, he has made significant contributions to the field through his research, teaching, and publications. Read more about Dr Kamal Farid Ishaq.